عدد الزائرين للموقع

Web Hit Counter

المواضيع ألعشرة الأخيرة

معالم وشخصيات تأريخية

حقيبة الكـتب

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

احصائية الموقع

المتواجدين :

في الذكرى الثالثة والخمسين لثورة 14 تموزالمجيدة(القسم الأول)


حامد الحمداني
13
تموز 2011
لم تكن ثورة 14 تموز1958 التي قادها الشهيد عبد الكريم قاسم انقلاباً عسكرياً كما يحلوا للبعض أن يسميها، بل كانت ثورة شعبية كان رأس رمحها اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار بقيادة الزعيم الوطني الخالد عبد الكريم قاسم، وشاركت فيها كل القوى السياسية من أقصى يمينها المتمثل بحزب الاستقلال وحزب البعث، حتى أقصى يسارها المتمثل بالحزب الشيوعي، بالإضافة إلى الحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، مدعومة بالجماهير الشعبية الواسعة التي نزلت إلى الشوارع في الساعات الأولى من صبيحة ذلك اليوم، والتفت حول الثورة وقيادتها واحتضنتها، وذادت عنها من تآمر القوى البعثية والقومية والعناصر الرجعية المرتبطة بالإمبريالية، وكان ذلك الموقف لهذه الأحزاب أمر طبيعي حيث كانت تناضل من أجل عراق ديمقراطي متحرر من أية هيمنة أجنبية، وضمان الحقوق والحريات العامة، وحرية التنظيم الحزبي، والنقابي، والجمعيات، وحرية الصحافة، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وتشريع دستور دائم للبلاد يضمن كافة حقوق وحريات الشعب بكل فئاته وقومياته، وتولي حكومة دستورية لحكم البلاد تكون مسؤولة أمام البرلمان
.
لكن الأحداث التي جرت في البلاد، والمؤامرات التي حيكت ضدها من قبل القوى اليمينية والقومية المدعومة من قبل عبد الناصر والقوى الإمبريالية، والثورة ما تزال في أيامها الأولى عطلت المسيرة الديمقراطية، وأدخلت البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد، وأدى بالتالي إلى ارتكاب أخطاء جسيمة من جانب السلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، والأحزاب الديمقراطية الملتفة حول الثورة، وتحولت المواقف إلى الاختلاف والصراع الذي اضرّ بكل تأكيد بالغ الضرر بمستقبل العراق، والحركة الديمقراطية، وأدى في نهاية الأمر إلى اغتيال الثورة، بعد أن استطاعت قوى الردة البعثية والقومية، وأذناب الاستعمار من استغلال التدهور الحاصل في العلاقات بين قيادة الثورة والأحزاب الديمقراطية، والتي أدت إلى عزل قيادة الثورة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، واستطاعت اغتيال الثورة في انقلاب الثامن من شباط 1963 الفاشي، وإغراق العراق والقوى الديمقراطية بالدماء في حملة تصفية لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل
.
فهل كان هناك مبرراً لوقوع ذلك الصراع بين حلفاء الأمس؟
ومن كان السبب فيما جرى؟
وما هي الأخطاء التي ارتكبتها جميع الأطراف؟
.
لقد قاد الزعيم الثورة بدعم وإسناد من هذه القوى، وحقق إنجازات كبيرة في الحقل الوطني، ولست في مجال تعداد إنجازات الثورة، فقد سبق وتحدثت عنها في مقال سابق، لكنني أستطيع القول أن الزمان لو طال بعمر الثورة، وبقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم لحقق الكثير والكثير من الإنجازات التي كان يمكن أن تجعل من العراق أرقى بلد في المنطقة
فالزعيم كما يتفق الجميع، وحتى أعدائه لم يحقق أي مصلحة لنفسه أو لعائلته، لم يبني له قصراً، ولا حتى داراً متواضعة، ولم يتخذ له ديواناً ضخماً، ولم يتملك شيئا، ولم يتنقل بمواكب ضخمة من الحراسة والحماية، فقد كان محبوباً من قبل الشعب، كما كان حريصاً على أموال الشعب، وكان إنساناً بسيطاً ومتواضعاً كأي مواطن آخر، ولقد قُدر لي أن أزوره في مقره بوزارة الدفاع ضمن وفد لنقابة المعلمين في أواخر شهر شباط عام 1959، واطلعنا على مقره البسيط وغرفة نومه المتواضعة جداً
. .
عبد الكريم قاسم لم يكن شوفينياً، بل على العكس من ذلك كان على علاقة مع العديد من الشخصيات الديمقراطية المعروفة، وعلى صلة بالأحزاب الوطنية ذات الخط الديمقراطي، وقد أبلغ عدد من أولئك القادة الوطنيين بموعد الثورة، وضم العديد منهم في حكومته
.
إذا الطرفان المتمثلان بالسلطة بقيادة عبد الكريم قاسم والأحزاب الديمقراطية الثلاث الوارد ذكرها يمثلان قوى وطنية، وأن أي تناقض بين هذه القوى يعتبر تناقض ثانوي، في حين أن القوى القومية التي تخلت عن جبهة الإتحاد الوطني، وانسحبت من الحكومة، وتآمرت على ثورة 14 تموز وقيادتها، مستخدمة أسلوب العنف لاغتصاب السلطة، كانت قد فقدت صفتها الوطنية، وبذلك أصبح التناقض بينها وبين السلطة والأحزاب الديمقراطية الثلاث يمثل تناقضاً أساسياً
.
كان على السلطة المتمثلة بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، والأحزاب الديمقراطية الثلاث [الحزب الديمقراطي الكردستاني، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي، أن تدرك المخاطر الحقيقية التي تمثلها تلك القوى المتآمرة على الثورة، والقوى التي تقف وراءها وتدعمها، والمتمثلة بالولايات المتحدة وبريطانيا، بالإضافة إلى حكومة عبد الناصر، فالجميع كانوا في حقيقة الأمر في سفينة واحدة، والمتمثلة بالثورة، وأن غرقها سيعني بلا شك غرق الجميع، وهذا هو الذي حدث بالفعل بعد نجاح انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، حيث لم تسلم أي من هذه القوى من بطش السلطة الانقلابية
.
لماذا حدث كل هذا ؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك؟

وإنصافاً للحقيقة أستطيع القول أن الجميع وبلا استثناء كانوا مسؤولين عما حدث، واليوم وبعد مضي 53 عاماً على حلول تلك الكارثة التي حلت بشعبنا العراقي بعربه وكرده وسائر مكوناته الأخرى نتيجة ذلك الانقلاب الدموي الفاشي فإن استذكار مسببات ذلك الحدث أمرٌ هام جداً يستحق الدراسة والتمحيص للخروج بالدروس البليغة للحركة الوطنية لكي تتعلم الدرس من تلك الأخطاء
.
لقد أخطأت الأحزاب الوطنية في طريقة التعامل مع الزعيم عبد الكريم قاسم، وتغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي
.
وفي الوقت نفسه أخطأ الزعيم عبد الكريم قاسم في تعامله مع هذه القوى الوطنية، ظناً منه أن الأخطار تأتيه من جانب هذه القوى، وليس من جانب القوى التي مارست ونفذت الحركات التآمرية ضد الثورة وقيادتها فعلياً
.
لكن الذي لا يجب إغفاله أن الزعيم عبد الكريم كان فرداً أولاً، وكان قريب عهد في السياسة ثانياً، فلم يكن مركزه العسكري يمكنه من مزاولة أي نشاط سياسي، وعليه فإن احتمالات وقوعه بالخطأ كبيرة شئنا ذلك أم أبينا
.
لكن الأحزاب السياسية التي تقودها لجان مركزية، ومكاتب سياسية، كانت قد تمرست في النشاط السياسي، وهي تجتمع لتدارس وتمحيص القرارات السياسية قبل اتخاذها، فإن وقوعها في الخطأ ينبغي أن يكون في أضيق الحدود إن وقع، مع تحمل المسؤولية عن ذلك، حيث من المفروض إن تحرص على عدم الوقوع في الخطأ، ولاسيما حينما يتعلق الخطأ بمستقبل ومصير الشعب والوطن
!.
ولكون الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم كان في قمة السلطة، فقد كان قادراً أن يفعل الكثير من أجل صيانة الثورة، والحفاظ على لحمة الصف الوطني، واليقظة والحذر من غدر قوى الردة، لكنه لم يدرك خطورة الموقف، ووقع في تلك الأخطاء الخطيرة، والتي يمكن أن نلخصها بالتالي
:
1
2
لقد اعتقد عبد الكريم قاسم أن الخطر الحقيقي يأتيه من قوى اليسار[القوى الديمقراطية]، وبوجه خاص من الحزب الشيوعي الذي وقع في أخطاء كبيرة ما كان له أن يقع فيها، والتي سأتناولها فيما بعد بحيث أصبحت لدى الزعيم القناعة أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة منه، ومما زاد في قناعة الزعيم هذا الموقف الذي وقفته القيادة اليمينية للحزب الوطني الديمقراطي، المتمثلة بقيادة محمد حديد، بغياب زعيم الحزب المرحوم كامل الجادرجي، والتي أدخلت في روعه الخطورة التي بات يمثلها الحزب الشيوعي على سلطته، فقرر تقليم أظافر الحزب، وأضعاف نفوذه الطاغي في الشارع العراقي آنذاك، وكانت باكورة إجراءاته سحب السلاح من المقاومة الشعبية، ومن ثم إلغائها، ولو كانت المقاومة باقية يوم الثامن من شباط لما تسنى للانقلابيين النجاح في انقلابهم
ـ.ـ.
لقد كان رد فعل الزعيم يمثل الرد على الخطأ بخطأ أعظم وأفدح حيث افتقد قوى واسعة ومؤثرة أكبر التأثير في الساحة العراقية، وعزل نفسه عن الشعب، مما سهل للانقلابيين تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة في الثامن من شباط 1963
3
.ـ لقد اخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لمسألة الصراع مع القوى المضادة للثورة، الذي أججته قرارات الثورة، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي، الذي أحدث ثورة اجتماعية حقيقية، سلبت السلطة من الإقطاعيين دعائم الإمبريالية.
ولذلك فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون، وكل المتضررين من ثورة تموز بتجميع صفوفهم، وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد الكريم قاسم من الشيوعيين والقوى القومية الكردية. لقد استغلت الرجعية تلك الظروف من أجل تنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة، وعزلها عن الشعب
4
.ـ لقد أخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لخطورة الصراع مع شركات النفط، من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 1961، والذي أنتزع بموجبه 99,5% من مناطق امتياز تلك الشركات من سيطرة شركات النفط الاحتكارية، والعمل على استغلالها وطنياً.
لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط، وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي، وكان الوفد يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة والحذر من أحابيل ومؤامرات شركات النفط، حرصاً على مصالحها، وسعيها الحثيث لاغتيال الثورة حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء
.
لقد كان على عبد الكريم قاسم إن يدخل في صراعه مع شركات النفط محصناً بجبهة شعبية قوية قوامها هذه الأحزاب الوطنية والديمقراطية تقف إلى جانبه، وتدعم موقفه، لا أن يدخل في صراع معها غير مبرر إطلاقاً، فتستغل الإمبريالية موقفه الضعيف، لتنفذ مؤامرتها الدنيئة بنجاح في الثامن من شباط 1963
6
.ـ لقد اخطأ الزعيم في أسلوب التعامل مع القيادة الكردية المتمثلة بالزعيم مصطفى البارزاني، على الرغم من أنه لم يكن يحمل أي أفكار شوفينية تجاه القومية الكردية، وأن استقباله للسيد البارزاني ورفاقه العائدين من الاتحاد السوفيتي وتكريمهم، والتأكيد على الحقوق القومية للشعب الكردي في الدستور المؤقت، يؤكد هذا الموقف لدى الزعيم.
لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم قاسم بلجوئه إلى القوة العسكرية لحل التناقض مع قيادة الحركة الكردية، مما سبب إضعافاً خطيراً للسلطة، وشق جبهة الاتحاد الوطني، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني للتعاون مع انقلابيي 8 شباط 1963
.
كان لتسارع الأحداث التي أدت إلى تدهور الأوضاع السياسية في البلاد، وانقسام القوى الوطنية، حدوث الخلافات العميقة بين السلطة وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، ولجوء الطرفين إلى الصراع المسلح، واستخدام السلطة للجيش في ذلك الصراع، ولم تجد نفعاً كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال، واللجوء إلى الحوار، لحل القضية الكردية حلاً عادلاً، إلا أن جهوده باءت بالفشل، واستمرت الحرب بين الطرفين حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963
.
بدأت العلاقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والسلطة بالتدهور عام 1961 عندما هاجمت صحيفة الحزب [خه بات] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد، واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة
.
كان رد عبد الكريم قاسم أن أمر بغلق مقر الحزب في بغداد، وغلق صحيفة الحزب، ومطاردة قادته، واعتقال البعض منهم في آذار 1961، واستمرت العلاقة بين الطرفين بالتدهور حتى بلغت مداها في شهر تموز من ذلك العام
.
وفي 20 تموز 1961، قدم المكتب السياسي للحزب مذكرة إلى عبد الكريم قاسم طالبه فيها بتطبيق المادة الثالثة من الدستور المؤقت، والتي نصت على حقوق الشعب الكردي، كما طالبت بسحب القوات العسكرية المرسلة إلى كردستان، وسحب المسؤولين عن شؤون الأمن والشرطة والإدارة الذين كان لهم دور في الحوادث التي وقعت في كردستان، وإعادة الموظفين الأكراد المبعدين إلى كردستان، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وإنهاء فترة الانتقال، وانتخاب مجلس تأسيسي، وسن دستور دائم للبلاد، وإلغاء الأحكام العرفية، وتطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية لثورة 14 تموز
.
لكن عبد الكريم قاسم تجاهل المذكرة، واستمر في حشد قواته العسكرية في المناطق المحاذية لإيران في بادئ الأمر، حيث كانت قد اندلعت حركة تمرد قام بها عناصر من كبار الإقطاعيين بقيادة [ رشيد لولان] و[عباس مامند] بدعم وإسناد من النظام الإيراني، والسفارة الأمريكية في طهران، وقد أستهدف رشيد لولان، وعباس مامند، إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية، وعميلها [شاه إيران] زعزعة النظام الجديد في العراق، وإسقاطه
.
لكن من المؤسف أن قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني لم تقدر دوافع تلك الحركة والقائمين بها، والمحرضين عليها، ومموليها، مغلّبين التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية، ولجأت هي الأخرى إلى حمل السلاح
.
كما أن عبد الكريم قاسم، الذي تملكه الغضب، رفض اللجوء إلى الحوار، وحل المشاكل مع القيادة الكردية، وإيجاد الحلول للأزمة السياسية التي كانت تعصف بالبلاد، وظن أن اللجوء إلى السلاح سينهي الحركة الكردية خلال أيام، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد. لكن حساباته كانت خاطئة، وبعيدة جداً عن واقع الحال، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة 14 تموز يوم الثامن من شباط 1963
أستهل الحزب الديمقراطي الكردستاني صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان في 6 أيلول 1961، حيث توقفت كافة الأعمال، و أصاب المنطقة شلل تام، وقام المسلحون الأكراد باحتلال مناطق واسعة من كردستان، فكان رد السلطة دفع قطعات الجيش في 9 أيلول، لضرب التجمعات الكردية مستخدمة كافة الأسلحة والطائرات، وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان، واستمرت المعارك حتى وقوع انقلاب 8 شباط 1963
. .
لكن الحزب الديمقراطي الكردستاني ارتكب خطأ أفضع بتعاونه مع انقلابيي 8 شباط، حيث جرت الاتصالات قبل الانقلاب بين سكرتير الحزب إبراهيم احمد، وطاهر يحيى ، ممثل الانقلابيين، كما شارك الطلبة الأكراد في الإضراب الذي أعلنه البعثيون قُبيل وقوع الانقلاب
.
لقد وضع قادة الحركة الكردية أيديهم بأيدي أولئك الانقلابيين الفاشيين ضد السلطة الوطنية بقيادة عبد الكريم قاسم، ظنناً منهم أن بالإمكان حصول الشعب الكردي على حقوقه القومية على أيدي أولئك الشوفينيين المتعصبين الذين كانوا يضمرون للشعب الكردي كل الحقد
.
لقد كان موقفهم هذا يعبر بحق عن جهل فادح بطبيعة حزب البعث، والقوى القومية الشوفينية المتعصبة، الذين لم يكّنوا يوماً المحبة للشعب الكردي، ورفضوا حتى إشراك الحزب الديمقراطي في جبهة الاتحاد الوطني عام 1957
.
وهكذا فلم تمض ِسوى أربعة أشهر على انقلاب 8 شباط، حتى بادر الانقلابيون في 1 حزيران 1963 إلى شن حملة شعواء على الشعب الكردي لم يشهد لها مثيلاً من قبل، منزلين فيه الويلات والمآسي، و ألوف القتلى، وتهديم القرى، وتهجير الشعب الكردي
لقد تمزقت الوحدة الوطنية، وتحولت الجبهة الوطنية إلى الصراع المرير بين أطرافها من جهة، ومع السلطة من جهة أخرى، جراء الأخطاء القاتلة لكافة الأحزاب السياسية والسلطة على حد سواء، فقد كان لكل طرف حصة ونصيب في تلك الأخطاء التي أدت إلى التمزق والصراع، وضياع الثورة، وتصفية كل مكاسب الشعب، وإغراق البلاد بالدماء
. .
ولاشك أن عبد الكريم قاسم يتحمل القسط الأكبر من مسؤولية تلك الأخطاء، لأنه كان على قمة السلطة، وكان بإمكانه أن يفعل الكثير من أجل إعادة اللحمة للصف الوطني، ومعالجة المشاكل والتناقضات التي نشأت، والتي يمكن أن تنشأ مستقبلاً، بروح من الود والتفاهم والمصلحة العامة لشعبنا ووطننا، والتحلي بإنكار الذات، وتغليب مصلحة الوطن على كل المصالح
كان بإمكانه أن يعمل على إنهاء فترة الانتقال، ويجري انتخاب المجلس التأسيسي، وسن الدستور الدائم للبلاد، وإرساء الحكم على أسس ديمقراطية صلبة، ولو فعل ذلك لتجنّب، وجنّب الشعب العراقي كل تلك الويلات والمصائب، والمصير المظلم الذي حلّ بالبلاد على أيدي انقلابيي 8 شباط 1963
7
اعتماد عبد الكريم قاسم على جهاز أمن النظام الملكي السابق الذي لم يجر عليه أي تغيير سوى إحالة 45 من ضباط الأمن على التقاعد، ومعلوم أن ذلك الجهاز الذي أنشأته ورعته الإمبريالية وعملائها الحاكمون في بغداد آنذاك، لم يكن يدين بالولاء لا للثورة، ولا لزعيمها عبد الكريم قاسم، وكان له دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية، والحركات التآمرية عن السلطة، وحماية المتآمرين. ومما يؤكد هذا الحديث الذي جرى مع مدير الأمن العام [مجيد عبد الجليل] الذي جيء به إلى دار الإذاعة، التي اتخذها الانقلابيون مقراً لهم، وقام [علي صالح السعدي] أمين سر حزب البعث، بالبصق في وجهه، فما كان من مدير الأمن العام إلا أن قال له:{ لماذا تبصق في وجهي؟ فلولاي لما نجح الانقلاب
. .ـ }.
وهذا خير دليل على عدم أمانة ذلك الجهاز الذي أعتمد عليه عبد الكريم قاسم
ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن، والذي أنيط به حماية الثورة من المتآمرين، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة، وكان على رأسهم، رئيس الجهاز[محسن الرفيعي] ومن قبله [ رفعت الحاج سري] الذي ثبت للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم فيه
كما أن موقف رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام [أحمد صالح العبدي] المتخاذل دل على مساومة الانقلابيين ، والسكوت عن تحركاتهم، فلم ينل منهم أذى، وأطلق سراحه بعد أيام قلائل، فيما جرى إعدام كل المخلصين لثورة تموز وقيادتها
8
. . .ـ إطالة فترة الانتقال وإجراء الانتخابات وتشريع الدستور الدائم:
كانت إطالة الفترة الانتقالية، والتأخر في إجراء الانتخابات العامة وتشريع دستور دائم للبلاد، والتي استغرقت 4 سنوات، أحد العوامل الرئيسية في نشوب الخلافات بين القوى الوطنية، والسلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، وتحول الخلافات نحو الصراع بين الأطراف الوطنية والسلطة
.
لم يكن هناك مبرر لإطالة فترة الانتقال طيلة هذه المدة، وكان بالإمكان اختزالها لمدة أقصاها سنتين، والتوجه نحو إجراء انتخاب مجلس تأسيسي يأخذ على عاتقه تشريع دستور دائم للبلاد، وعرضه على الشعب في استفتاء عام، ليتم بعد ذلك قيام حكومة ديمقراطية تمثل إرادة الشعب
.
ولم يكن هناك ما يخيف الزعيم عبد الكريم قاسم على موقعه كقائد لثورة 14 تموز، حيث كان يتمتع بشعبية كبرى لم يتمتع بمثلها أي زعيم عراقي أو عربي من قبل، وكنت على يقين أن الزعيم عبد الكريم قاسم لو شاء أن يشكل له حزباً سياسياً آنذاك، ويشارك في الانتخابات فإن حزبه كان سيفوز على جميع الأحزاب، ولست أنا من يقول ذلك فقط، بل أن الحزب الشيوعي الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في البلاد أعترف في أدبياته ونشراته الداخلية في رده على الأفكار والدعوات التي ظهرت في صفوف الحزب داعية إلى استلام السلطة أن هذه الشعبية التي نشهدها في الشارع العراقي هي شعبية الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يمجده الشعب
.
لكن الزعيم عبد الكريم شاء أن يختار لنفسه أن يكون [فوق الميول وفوق الاتجاهات]!، و[ سياسة عفا الله عما سلف] وأطلق سراح المتآمرين المحكومين بالإعدام والذين أطلقوا عليه الرصاص في رأس القرية، وفي الوقت نفسه أصدر أمره بتنفيذ حكم الإعدام بحق الشهيد الشيوعي منذر أبو العيس، وحاول أن يخلق نوعاً من التوازن بين حماة الثورة والمدافعين عنها والحريصين على صيانتها، وبين الذين تآمروا عليها، وحاولوا مراراً وتكراراً إسقاطها والوثوب على الحكم، وهذه هي إحدى أخطائه الجسيمة التي أوصلته إلى تلك النهاية المحزنة، وأوصلت الشعب العراقي إلى الكارثة، حيث استطاع حزب البعث المتحالف مع القوى القومية، والمدعوم من قبل عبد الناصر والقوى الإمبريالية، من استغلال تشتت القوى الديمقراطية، وانعزال سلطة عبد الكريم قاسم، إلى إنزال الضربة القاضية بثورة 14 تموز المجيدة، واغتيال قائدها عبد الكريم قاسم وصحبه الأبرار، والتنكيل بقيادة وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي، وسائر الوطنيين والديمقراطيين، وإغراق العراق بالدماء، وإدخال العراق بنفق مظلم ما زال يعاني منه حتى اليوم
فلا شك أن كل الأحداث التي جرت منذ انقلاب 8 شباط 1963 وحتى يومنا هذا على ارض العراق الجريح ليس إلا نتاج تلك الأخطاء التي ساهم بها الجميع، والتي مهدت السبيل لنجاح انقلاب 8 شباط، والانقلابات المتتالية والتي أوصلت جلاد العراق الأكبر صدام حسين وزمرته الشريرة إلى سدة الحكم، وما سببه للعراق وشعبه من كوارث وويلات ومصائب، وحروب مفجعة، وإرهاب وحشي بشع لا زلنا نكتوي بناره حتى يومنا هذا
. .
في القسم الثاني: الحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، وعبد الكريم قاسم
لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم في سياسة [عفا الله عما سلف]،وسياسة [فوق الميول وفوق الاتجاهات]، وعفا عن الذين تآمروا عليه وعلى الثورة جميعاً، وأطلق سراحهم من السجن، في محاولة منه لخلق حالة من التوازن بين القوى الوطنية المساندة للثورة، والقوى الساعية لاغتيالها!!، وكان ذلك الموقف خطأً قاتلاً يتحمل الزعيم قاسم مسؤوليته الكاملة
في حقيقة الأمر أن جميع الأطراف كانت قد ارتكبت الأخطاء التي ما كان ينبغي أن تقع فيها، فالأحزاب الديمقراطية الثلاث كلها تتفق على كون الزعيم عبد الكريم قاسم كان شخصية وطنية صادقة لا شائبة فيها، حارب الاستعمار، وحقق الحرية والاستقلال الحقيقي لوطنه

0 التعليقات:

ترجم الموقع

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean

ألباحث حامد الحمداني

تجد هنا أرشيف موقع حامد الحمداني

آخرالمواضيــع

مواقع مختارة

حقيبة الكـتب