عدد الزائرين للموقع

Web Hit Counter

المواضيع ألعشرة الأخيرة

معالم وشخصيات تأريخية

حقيبة الكـتب

يتم التشغيل بواسطة Blogger.

احصائية الموقع

المتواجدين :


ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة

والدروس والعبر منها

حامد الحمداني                                           14 تموز 2016

 

لم تكن ثورة 14 تموز1958 التي قادها الشهيد عبد الكريم قاسم انقلاباً عسكرياً كما يحلوا للبعض أن يسميها، بل كانت ثورة شعبية كان رأس رمحها اللجنة العليا لحركة الضباط الأحرار بقيادة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، وشاركت فيها كل القوى السياسية من أقصى يمينها المتمثل بحزب الاستقلال، وحزب البعث، حتى أقصى يسارها المتمثل بالحزب الشيوعي، بالإضافة إلى الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الديمقراطي الكردستاني مدعومة بالجماهير الشعبية الواسعة التي نزلت إلى الشوارع في الساعات الأولى من صبيحة ذلك اليوم.

 

كان في مقدمة القوى التي التفت حول الثورة وقيادتها واحتضنتها وذادت عنها من تآمر القوى البعثية والقومية والعناصر الرجعية المرتبطة بالإمبريالية هي الأحزاب الديمقراطية المتمثلة بالحزب الشيوعي، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الديمقراطي الكردستاني، وكان ذلك الموقف لهذه الأحزاب أمر طبيعي حيث كانت تناضل من أجل عراق ديمقراطي متحرر من أية هيمنة أجنبية، وضمان الحقوق والحريات العامة، وحرية التنظيم الحزبي والنقابي والجمعيات، وحرية الصحافة، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وتشريع دستور دائم للبلاد يضمن كافة حقوق وحريات الشعب بكل فئاته وقومياته، وتولي حكومة دستورية حكم البلاد تكون مسؤولة أمام البرلمان.

 

لكن الأحداث التي جرت في البلاد، والمؤامرات التي حيكت ضدها من قبل القوى اليمينية والقومية المدعومة من قبل عبد الناصر والقوى الإمبريالية،   والثورة ما تزال في أيامها الأولي، عطلت المسيرة الديمقراطية، وأدخلت البلاد في دوامة العنف والعنف المضاد، وأدى بالتالي إلى ارتكاب أخطاء جسيمة من جانب السلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، والأحزاب الديمقراطية الملتفة حول الثورة، وتحولت المواقف إلى الاختلاف والصراع الذي اضرّ بكل تأكيد بالغ الضرر بمستقبل العراق والحركة الديمقراطية، وأدى في نهاية الأمر إلى اغتيال الثورة بعد أن استطاعت قوى الردة البعثية والقومية، وأذناب الاستعمار، من استغلال التدهور الحاصل في العلاقات بين قيادة الثورة والأحزاب الديمقراطية، والتي أدت إلى عزل قيادة الثورة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، واستطاعت اغتيال الثورة في انقلاب الثامن من شباط 1963 الفاشي، وإغراق القوى الديمقراطية بالدماء في حملة تصفية لم يشهد لها العراق مثيلاً من قبل .

 

فهل كان هناك مبرراً لوقوع ذلك الصراع بين حلفاء الأمس؟

ومن كان السبب في كل ما جرى ؟

وما هي الأخطاء التي ارتكبتها جميع الأطراف؟

في حقيقة الأمر أن جميع الأطراف كانت قد ارتكبت الأخطاء التي ما كان ينبغي أن تقع فيها، فالأحزاب الديمقراطية الثلاث كلها تتفق على كون الزعيم عبد الكريم قاسم كان شخصية وطنية صادقة لا شائبة فيها، حارب الاستعمار وحقق الحرية والاستقلال الحقيقي لوطنه .

 

لقد قاد الزعيم الثورة بدعم وإسناد من هذه القوى، وحقق إنجازات كبيرة في الحقل الوطني، وكان في مقدمة تلك الإنجازات:

1 ـ الخروج من حلف بغداد، وتحرير العراق من الهيمنة الإمبريالية.

 

2 ـ الخروج من منطقة الإسترليني وتحرير العملة العراقية .

 

3ـ إصدار قانون الإصلاح الزراعي وتحرير الفلاحين الذين يشكلون 70% من نفوس العراق وإنقاذهم من طغيان الإقطاع، وكان القانون يمثل بحق ثورة اجتماعية كبرى.

 

4 ـ إصدار القانون رقم 80 الذي تم بموجبه سحب 99،5 % من المناطق النفطية من شركات النفط .

5 ـ إصدار قانون تشكيل شركة النفط الوطنية كي تقوم باستثمار المناطق النفطية المسحوبة من شركات النفط وطنياً .

 

6ـ السماح للأحزاب السياسية بممارسة نشاطها بحرية، وإطلاق حرية الصحافة، وحرية تشكيل المنظمات والنقابات منذ انبثاق الثورة على الرغم من عدم وجود قانون ينظم مسألة تأليف الأحزاب السياسية.

 

7ـ إزالة حزام الفقر حول بغداد ، وتشييد مدينة الثورة ومدينة الشعلة لإسكان مئات الألوف من الفلاحين الهاربين من ظلم الإقطاعيين، وسكنوا تلك الصرائف حول بغداد، والتي لا تتوفر فيها أي من الشروط التي تليق بالإنسان

 

8 ـ أقامة علاقات اقتصادية وسياسية وفي كافة المجالات الأخرى مع سائر دول العالم على أساس المنافع المشتركة والاحترام المتبادل لسيادة واستقلال العراق .

9 ـ أقامة جملة من المشاريع الصناعية التي كان يفتقدها العراق في مختلف الفروع، وامتصاص البطالة التي كانت مستشرية، وعمل جاهداً على رفع مستوى معيشة الشعب.

 10 ـ توزيع مئات الألوف من الأراضي السكنية على المواطنين من ذوي الدخل المحدود، وتقديم القروض لهم لبناء المساكن فيها، ونشر التعليم في مختلف مناطق العراق من خلال أقامة ألوف المدارس في القرى والأرياف التي كانت محرومة منها.

 

ولا مجال أن أطيل في تعداد إنجازات الثورة، لكنني أستطيع أن أقول أن الزمان لو طال  بعمر الثورة وقائدها الشهيد عبد الكريم قاسم لحقق الكثير والكثير من الإنجازات التي كان يمكن أن تجعل من العراق أرقى بلد في المنطقة .

فالزعيم الشهيد عبد الكريم كما يتفق الجميع، وحتى أعدائه لم يحقق أي مصلحة لنفسه أو لعائلته، ولم يبني له قصراً، ولا حتى داراً متواضعاً، ولم يتخذ له ديواناً ضخماً، ولم يتملك شيئا، ولم يتنقل بمواكب ضخمة من الحراسة والحماية، فقد كان محبوباً من قبل الشعب، كما كان حريصاً على أموال الشعب، وكان إنساناً بسيطاً ومتواضعاً كأي مواطن آخر، ولقد قُدر لي أن أزوره في مقره بوزارة الدفاع ضمن وفد لنقابة المعلمين في أواخر شهر شباط عام 1959، واطلعنا على مقره البسيط وغرفة نومه المتواضعة جداً.

عبد الكريم قاسم لم يكن شوفينياً، بل على العكس من ذلك كان على علاقة مع العديد من الشخصيات الديمقراطية المعروفة وعلى صلة بالأحزاب الوطنية ذات الخط الديمقراطي، وقد أبلغ عدد من أولئك القادة الوطنيين بموعد الثورة  وضم العديد منهم في حكومته.

 

إذا الطرفان المتمثلان بالسلطة بقيادة عبد الكريم قاسم والأحزاب الديمقراطية الثلاث الوارد ذكرها يمثلان قوى وطنية، وأن أي تناقض بين هذه القوى يعتبر تناقض ثانوي، في حين أن القوى القومية التي تخلت عن جبهة الإتحاد الوطني منذ ايامها الاولى، وانسحبت من الحكومة، وتآمرت على ثورة تموز وقيادتها مستخدمة أسلوب العنف لاغتصاب السلطة كانت قد فقدت صفتها الوطنية، وبذلك أصبح التناقض بينها وبين السلطة والأحزاب الديمقراطية الثلاث يمثل تناقضاً أساسياً .

 

كان على السلطة المتمثلة بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، والأحزاب الديمقراطية الثلاث الحزب الديمقراطي الكردستاني، والحزب الوطني الديمقراطي، والحزب الشيوعي أن تدرك المخاطر الحقيقية التي تمثلها تلك القوى المتآمرة على الثورة، والقوى التي تقف وراءها وتدعمها، والمتمثلة بالولايات المتحدة وبريطانيا بالإضافة إلى حكومة عبد الناصر، فالجميع كانوا في حقيقة الأمر في سفينة واحدة، والمتمثلة بالثورة، وأن غرقها سيعني بلا شك غرق الجميع، وهذا هو الذي حدث بالفعل بعد نجاح انقلاب 8 شباط الفاشي عام 1963، حيث لم تسلم أي من هذه القوى من بطش السلطة الانقلابية فلماذا حدث كل هذا ؟ ومن يتحمل مسؤولية ذلك ؟

 

وإنصافاً للحقيقة أستطيع القول أن الجميع وبلا استثناء كانوا مسؤولين عما حدث، واليوم وبعد مضي 53 عاماً على حلول تلك الكارثة التي حلت بشعبنا العراقي بعربه وكورده وسائر مكوناته الأخرى نتيجة ذلك الانقلاب الدموي الفاشي فإن استذكار مسببات ذلك الحدث أمرٌ هام جداً يستحق الدراسة والتمحيص للخروج بالدروس البليغة للحركة الوطنية لكي لا تقع بمثل تلك الأخطاء من جديد. لقد أخطأت الأحزاب الوطنية في طريقة التعامل مع الزعيم عبد الكريم قاسم، وتغليبها التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي.

كان الحاح الحزب الشيوعي على المشاركة في السلطة، وخاصة بعد تقديم تلك المذكرة المسهبة التي قدمها الحزب للزعيم في 15 تشرين الثاني 1958، والتي طالبته في اشراك الحزب في السلطة قد ادخلت الريبة والشكوك في نفس الزعيم عبد الكريم قاسم من تعاظم قوة الحزب وهيمنته على المقاومة الشعبية التي بدت وكأنها ميليشيا تابعة للحزب، واستئثاره بقيادة كافة الاتحادات العمالية والفلاحية وسائر النقابات والجمعيات، قد اثارت القلق لديه، ولدى قيادة الحزب الوطني الديمقراطي.

 

   وجاءت مسيرة الأول من أيارـ  عيد العمال العالمي ـ في بغداد، والتي نظمها الحزب الشيوعي، طارحاً من خلالها شعار إشراك الحزب الشيوعي في السلطة [عاش زعيمي عبد الكريمي، حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي] بيد الجماهير، وضخامة تلك المسيرة، التي ضمت أكثر من مليون من أعضاء، ومؤيدي وجماهير الحزب، من العمال والفلاحين، والمدرسين والطلاب والأطباء والمحامين والمثقفين كصاعقة نزلت على الرؤوس جميعاً، وأدخلت الرعب فعلاً في قلب عبد الكريم قاسم والقيادة اليمينية في الحزب الوطني الديمقراطي، المتمثلة بكتلة [ محمد حديد وحسين جميل ] ورفاقهم، فقد شعروا أن الأرض قد زلزلت تحت أقدامهم وهم يسمعون هتاف الجماهير الصاخبة مطالبين إشراك الحزب الشيوعي في الحكم، وبدا أن الشعب كله يقف وراء الحزب، ونزل الجنود، والضباط المؤيدين والمناصرين للحزب إلى الميدان أيضاً، وشعر المراقبون في ذلك اليوم أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من الوثوب إلى الحكم، حتى أن رئيس جهاز المخابرات الامريكية [ الن دلس] صرح في ذلك اليوم قائلا:

 {أن اخطر ما يواجه عالمنا اليوم هو الوضع في العراق}

 

كان الأجدى بالحزب آنذاك أن يركز نضاله على الأمرين الأساسيين [إنهاء فترة الانتقال وانتخاب مجلس تأسيسي] و[سن دستور دائمي للبلاد] ويخوض الحزب الانتخابات التي ستقرر مصير العراق.

 

لقد استفز الحزب الشيوعي الزعيم عبد الكريم قاسم والبرجوازية الوطنية على حد سواء، ومارست القيادة اليمينة للحزب الوطني الديمقراطي بقيادة محمد حديد الضغوط على الزعيم وتخويفه من تنامي نشاط الحزب الشيوعي وتطلعاته للسلطة، كما ساهمت القوى الامبريالية في تحذير عبد الكريم قاسم مما سمته بالخطر الشيوعي، وجاءت المحاولة الانقلابية لقائد كتيبة الدبابات الرابعة في ابي غريب المقدم الشيوعي فاضل البياتي- من دون علم الحزب- واعتقال البياتي ومعه عدد من الضباط في إمرة الادارة بوزارة الدفاع ليشكل القشة التي قصمت ظهر البعير ،كما يقول المثل، ويقرر عبد الكريم قاسم تصفية نفوذ الحزب الشيوعي بعد أن كان في مقتبل الثورة قد فسح له المجال للعمل واسعا، واطلق سراح كافة السجناء الشيوعيين، ومكّن الحزب من قيادة المنظمات الوطنية والنقابات والاتحادات والجمعيات، وفي الوظائف العليا في البلاد.   

وفي الوقت نفسه أخطأ الزعيم عبد الكريم قاسم في تعامله مع الحزب الشيوعي ظناً منه أن الأخطار تأتيه من هذا الجانب وليس من جانب القوى التي مارست ونفذت الحركات التآمرية ضد الثورة وقيادتها فعلياً .

 

 لكن الذي لا يجب إغفاله أن الزعيم عبد الكريم كان فرداً أولاً، وكان قريب عهد في السياسة ثانياً، فلم يكن مركزه العسكري يمكنه من مزاولة أي نشاط سياسي، وعليه فإن احتمالات وقوعه بالخطأ كبيرة شئنا ذلك أم أبينا.

 

 لكن الأحزاب السياسية التي تقودها لجان مركزية، ومكاتب سياسية كانت قد تمرست في النشاط السياسي، وهي تجتمع لتدارس وتمحيص القرارات السياسية قبل اتخاذها، فإن وقوعها في الخطأ ينبغي أن يكون في أضيق الحدود إن وقع، مع تحمل المسؤولية عن ذلك، حيث من المفروض إن تحرص على عدم الوقوع في الخطأ، ولا سيما حينما يتعلق الخطأ بمستقبل ومصير شعب بأكمله !!.

وجاءت الخلافات العميقة التي حدثت بين قيادة عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مصطفى البارزاني،  ولجوء الطرفين إلى الصراع المسلح، واستخدام السلطة للجيش في حسم ذلك الصراع .

فقد بدأت العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والسلطة بالتدهور عام 1961، عندما هاجمت صحيفة الحزب [خه بات] أسلوب السلطة في إدارة شؤون البلاد، وطالبت بإلغاء الأحكام العرفية، وإنهاء فترة الانتقال، وإجراء انتخابات عامة حرة ونزيهة، وسن دستور دائم للبلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين الأكراد، واحترام الحياة الحزبية، وحرية الصحافة. (2)

في تلك الظروف المعقدة اندلعت حركة تمرد رجعية بقيادة اثنان من كبار الإقطاعيين هما [رشيد لولان ] و [عباس مامند] بدعم وإسناد من النظام الإيراني، والسفارة الأمريكية في طهران، وقد أستهدف رشيد لولان وعباس مامند  إلغاء قانون الإصلاح الزراعي، فيما استهدفت الإمبريالية الأمريكية وعميلها شاه إيران  زعزعة النظام الجديد في العراق وإسقاطه، وقد بادر الزعيم عبد الكريم قاسم بارسال عدد من القطعات المسلحة نحو الحدود العراقية الإيرانية لإخماد التمرد قبل استفحاله .

 

أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد استهل صراعه مع السلطة بإعلان الإضراب العام في منطقة كردستان  في 6 أيلول 1961 ، حيث توقفت كافة الأعمال، و أصاب المنطقة شلل تام، وقام المسلحون الأكراد باحتلال مناطق واسعة من كردستان حاملين السلاح بوجه السلطة!

 

كان على القيادة الكردية أن تقدر دوافع تلك الحركة، وطبيعة القائمين بها، والمحرضين عليها، ومموليها، وعدم تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيسي مع الإمبريالية وأذنابها، سواء كانوا عرباً كما هو الحال مع حزب البعث وحلفائه القوميين أو كانوا من الكرد، كما هو الحال مع تمرد الاقطاعيين رشيد لولان وعباس مامند.

 

كما أن عبد الكريم قاسم فضل هو الآخر اللجوء إلى استخدام القوة ورفض  الحوار، وحل المشاكل مع القيادة الكردية، وإيجاد الحلول الصائبة للقضية الكردية، حسب ما نصت عليه المادة الثالثة من الدستور المؤقت.

 ظن الزعيم عبد الكريم قاسم أن اللجوء إلى السلاح سينهي الأزمة خلال أيام، ويصفي كل معارضة لسياسته في البلاد، لكن حساباته كانت خاطئة  وبعيدة جداً عن واقع الحال، وكانت تلك الحرب في كردستان أحد أهم العوامل التي أدت إلى اغتيال ثورة الرابع عشر من تموز يوم الثامن من شباط 1963.

لقد رد الزعيم عبد الكريم قاسم  بدفع المزيد من قطعات الجيش في 9 أيلول 961، لضرب الحركة الكردية مستخدمأً كافة الأسلحة والطائرات،  وهكذا امتدت المعارك وتوسعت لتشمل كافة أرجاء كردستان، وذهبت كل النداءات التي وجهها الحزب الشيوعي لكلا الطرفين لإيقاف القتال، واللجوء إلى الحوار، وإيجاد حل سلمي للقضية الكردية أدراج الرياح،  وتمزقت الوحدة الوطنية، وتحولت الجبهة الوطنية إلى الصراع المرير بين أطرافها، ومع السلطة جراء الأخطاء القاتلة لكافة الأحزاب السياسية والسلطة على حد سواء، فقد كان لكل طرف حصة ونصيب في تلك الأخطاء التي أدت إلى التمزق  والصراع، وضياع الثورة، وتصفية كل مكاسب الشعب، وإغراق البلاد بالدماء.

ولكون الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم كان في قمة السلطة فقد كان قادراً أن يفعل الكثير من أجل صيانة الثورة، والحفاظ على لحمة الصف الوطني واليقظة والحذر من غدر قوى الردة، لكنه لم يدرك خطورة الموقف، ووقع في تلك الأخطاء الخطيرة والتي يمكن أن نلخصها بالتالي :

 

لقد اخطأ الزعيم عبد الكريم في سياسة [عفا الله عما سلف] و[سياسة فوق الميول وفوق الاتجاهات]، وعفا عن الذين تآمروا عليه وعلى الثورة جميعاً، وحاولوا قتله في رأس القرية واصابوه بالرصاص وأطلق سراحهم في محاولة منه لخلق حالة من التوازن بين القوى الوطنية المساندة للثورة والقوى الساعية لاغتيالها، وكان ذلك الموقف خطأً قاتلاً يتحمل مسؤوليته الكاملة.

لقد اعتقد عبد الكريم قاسم أن الخطر الحقيقي يأتيه من قوى اليسار[القوى الديمقراطية]، وبوجه خاص من [الحزب الشيوعي] الذي وقع في أخطاء كبيرة ما كان له أن يقع فيها، بحيث أصبحت لدى الزعيم القناعة أن الحزب الشيوعي قد بات قاب قوسين أو أدنى من انتزاع السلطة، ومما زاد في قناعة الزعيم هذا الموقف الذي وقفته القيادة اليمينية للحزب الوطني الديمقراطي بغياب زعيم الحزب المرحوم كامل الجادرجي، والتي أدخلت في روعه الخطورة التي بات يمثلها الحزب الشيوعي على سلطته، فقرر تقليم أظافر الحزب وأضعاف نفوذه الطاغي في الشارع العراقي آنذاك، وكانت باكورة إجراءاته سحب السلاح من المقاومة الشعبية ومن ثم إلغائها، ولو كانت المقاومة باقية يوم الثامن من شباط لما تسنى للانقلابيين النجاح في انقلابهم.

  لقد كان رد فعل الزعيم يمثل الرد على الخطأ بخطأ أعظم وأفدح حيث افتقد قوى واسعة ومؤثرة أكبر التأثير في الساحة العراقية، وعزل نفسه عن الشعب مما سهل للانقلابيين تنفيذ مؤامرتهم الدنيئة في الثامن من شباط 1963.

لقد اخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لمسألة الصراع مع القوى المضادة للثورة، الذي أججته قراراتها، وخاصة فيما يخص قانون الإصلاح الزراعي الذي أحدث ثورة اجتماعية حقيقية سلبت السلطة من الإقطاعيين  دعائم الإمبريالية، فقد بدأ الرجعيون والإقطاعيون، وكل المتضررين من ثورة تموز بتجميع صفوفهم وبعث نشاطهم من جديد، على أثر الموقف الذي أتخذه عبد الكريم قاسم من الشيوعيين والقوى القومية الكردية، فقد استغلت الرجعية تلك الظروف من أجل تنفيذ هجمتها الشرسة ضد القوى الديمقراطية سند الثورة وحاميها، وإضعاف السلطة وعزلها عن الشعب.

 

كما أخطأ عبد الكريم قاسم في تقييمه لخطورة الصراع مع شركات النفط ، من أجل انتزاع حقوق العراق في ثروته النفطية، والحفاظ على استقلاله الوطني، وإصداره القانون رقم 80 لسنة 1961، والذي أنتزع بموجبه 99,5% من مناطق امتياز تلك الشركات من سيطرة شركات النفط الاحتكارية، والعمل على استغلالها وطنياً.

 

لقد كان الصراع على أشده مع شركات النفط، وتبادل الطرفان التهديدات، وكان آخر كلمة لوفد شركات النفط هي التحدي، وكان الوفد يعني ما يقول، فكانت مؤامرتهم الدنيئة على ثورة 14 تموز وقيادتها، والأمر المؤسف حقاً هو أن عبد الكريم قاسم لم يأخذ الحيطة والحذر من أحابيل  ومؤامرات شركات النفط حرصاً على مصالحها، حتى ولو أدى ذلك إلى إغراق العراق بالدماء.

لقد كان على عبد الكريم قاسم إن يدخل في صراعه مع شركات النفط محصناً بجبهة شعبية قوية قوامها هذه الأحزاب الوطنية والديمقراطية تقف إلى جانبه وتدعم موقفه، لا أن يدخل في صراع معها غير مبرر إطلاقاً، فتستغل الإمبريالية موقفه الضعيف لتنفذ مؤامرتها الدنيئة بنجاح في الثامن من شباط 1963.  وهكذا أصبح النظام منعزلاً وجهاً لوجه أمام مؤامرات الإمبريالية وعملائها.

كما اخطأ عبد الكريم قاسم في اعتماده على جهاز أمن النظام الملكي السابق، الذي لم يجر عليه تغيير سوى إحالة 45 من ضباط الأمن على التقاعد، ومعلوم أن ذلك الجهاز الذي أنشأته، ورعته الإمبريالية وعملائها الحاكمون في بغداد آنذاك، لم يكن يدين بالولاء للثورة ولا لزعيمها عبد الكريم قاسم، وكان له دور كبير في إخفاء نشاطات القوى الرجعية والحركات التآمرية على السلطة  وحماية المتآمرين .

ولم يكن جهاز الاستخبارات العسكرية بأحسن حال من جهاز الأمن، والذي  أنيط به حماية الثورة من المتآمرين، وتبين فيما بعد أن ذلك الجهاز كان ملغماً بالعناصر المعادية للثورة، وكان على رأسهم رئيس الجهاز[محسن الرفيعي] ومن قبله[ رفعت الحاج سري] الذي ثبت للمحكمة اشتراكه في الحركة الانقلابية للشواف، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم فيه.  

 

أما احمد صالح العبدي، رئيس أركان الجيش، والحاكم العسكري العام، فإن خيانته قد توضحت تماماً عندما أصدر أمراً يوم 5 شباط، أي قبل وقوع الانقلاب بيومين، يقضي بسحب العتاد من كتيبة الدبابات التي كان يقودها العقيد الركن [ خالد كاظم ] وهو الوحيد الذي بقي في مركزه القيادي من الضباط اليساريين، بعد ان ابعد الزعيم كل العناصر الوطنية في الجيش وفي الجهاز الاداري، وأودع العتاد في مستودع العينة، وبقيت دباباته دون عتاد لكي لا يتصدى للانقلابيين. ولم يمس الانقلابيين العبدي بسوء.

 

كما اخطأ الزعيم في إطالة الفترة الانتقالية والتأخر في إجراء الانتخابات العامة وتشريع دستور دائم للبلاد، والتي استغرقت 4 سنوات، أحد العوامل الرئيسية في نشوب الخلافات بين القوى الوطنية والسلطة المتمثلة بالزعيم عبد الكريم قاسم، وتحول الخلافات نحو الصراع بين الأطراف الوطنية والسلطة.

لم يكن هناك مبرر لإطالة فترة الانتقال طيلة هذه المدة، وكان بالامكان اختزالها لمدة أقصاها سنتين، والتوجه نحو إجراء انتخاب مجلس تأسيسي يأخذ على عاتقه تشريع دستور دائم للبلاد وعرضه على الشعب في استفتاء عام، ليتم بعد ذلك قيام حكومة ديمقراطية تمثل إرادة الشعب.

 

ولم يكن هناك ما يُخيف الزعيم عبد الكريم قاسم على موقعه كقائد لثورة 14 تموز حيث كان يتمتع بشعبية كبرى لم يتمتع بمثلها أي زعيم عراقي أو عربي من قبل، وكنت على يقين أن الزعيم عبد الكريم قاسم  لو شاء أن يشكل له حزباً سياسياً آنذاك، ويشارك في الانتخابات فإن حزبه كان سيفوز فوزا كاسحاًعلى جميع الأحزاب، ولست أنا من يقول ذلك فقط، بل أن الحزب الشيوعي الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في البلاد أعترف في أدبياته ونشراته الداخلية في رده على  الأفكار والدعوات التي ظهرت في صفوف الحزب داعية إلى استلام السلطة أن هذه الشعبية التي نشهدها في الشارع العراقي هي شعبية الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يمجده الشعب.

 

 لكن الزعيم عبد الكريم شاء أن يختار لنفسه أن يكون [فوق الميول وفوق الاتجاهات] و[ وسياسة عفا الله عما سلف ] ، وأطلق سراح المتآمرين المحكومين بالإعدام والذين أطلقوا عليه الرصاص في رأس القرية، وفي الوقت نفسه أصدر أمره بتنفيذ حكم الإعدام بحق الشهيد الشيوعي [ منذر أبو العيس]، وحاول أن يخلق نوعاً من التوازن بين حماة الثورة والمدافعين عنها، والحريصين على صيانتها  وبين الذين تآمروا عليها وحاولوا مراراً وتكراراً إسقاطها والوثوب على الحكم، وهذه هي إحدى أخطائه الجسيمة التي أوصلته إلى تلك النهاية المحزنة، وأوصلت الشعب العراقي إلى الكارثة  حيث استطاع حزب البعث المتحالف مع القوى القومية والرجعية والاقطاعية  والمدعوم من قبل عبد الناصر والقوى الإمبريالية من استغلال تشتت القوى الديمقراطية، وانعزال سلطة عبد الكريم قاسم، إلى إنزال الضربة القاضية بثورة 14 تموز المجيدة واغتيال قائدها عبد الكريم قاسم وصحبه الأبرار، والتنكيل بقيادة وأعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي، وسائر الوطنيين والديمقراطيين، وإغراق العراق بالدماء.

 

 
اقرأ المزيد من التفاصيل »»»


الدعوة لتقسيم العراق خيانة وطنية عظمى

حامد الحمداني                                                   19/6/2016

أثارت التصريحات الأخيرة للسيد مسرور البارزاني، التي عبر فيها عن حلمه بتقسيم العراق إلى دويلات ثلاث، دولة كردية، ودولة سنية، ودولة شيعية، وسعي القيادة الكردية لإنشاء جيش كردي الشكوك والقلق العميق حول الاهداف الحقيقية لهذا الجيش من لدن سائر العراقيين بمختلف أطيافهم، وزعزعت الثقة في نوايا السلطة القائمة في كردستان العراق حول مستقبل الفيدرالية، والتي تشير كل التوقعات إلى أن هذه الفيدرالية ليست سوى مرحلة انتقالية استهدفت من ورائها القيادات القومية الكردية تحقيق أقصى ما يمكن من  المكاسب على الأرض، واستنزاف أقصى ما يمكن من مدخولات العراق النفطية من جهة أخرى، وترصين الكيان القائم في كردستان العراق، وتعزيز قوات ميليشيا البيشمركة تدريباً وتسليحاً، وإعدادها للمرحلة القادمة التي تستهدف الضم القسري لمساحات شاسعة من محافظات الموصل وديالى بالإضافة إلى محافظة كركوك الغنية بالنفط قبل إعلان استقلال منطقة كردستان عن الوطن الأم.        

 

 إن القيادات القومية الكردية كانت قد حسمت أمرها منذ حرب الخليج الثانية عام 1991، عندما تم فصل محافظات السليمانية وأربيل ودهوك عن الوطن العراقي تحت الحماية الأمريكية ومظلتها الجوية، بالانفصال عن العراق شعباً ووطناً، ومارست، وما تزال تمارس القطيعة بين الكرد والعرب، وعلى الأخص في مجال اللغة حيث نشأ في كردستان العراق جيلاً لايعرف العربية، بالتالي لا يستطيع التفاهم مع أخوته العرب العراقيين، مما شكل انفصالاً حقيقياً بين شعبين لا تربطهم أية رابطة، لغات منفصلة، وأرض منفصلة، وشعب منفصل، مع اشباع الأجيال الكردية الناهضة بروح التعصب والعنصرية، والكراهية لأخوتهم العرب الذين وقفوا إلى جانبهم منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، والذين دعموا حقوق الشعب الكردي بكل ما أوتوا من قوة، بما فيها حملهم السلاح إلى جانب إخوتهم الكرد.                                                                                 

                                                                                 

لقد تكشفت نوايا القيادات الكردية الهادفة إلى تمزيق الكيان العراقي منذ بداية الاحتلال الأمريكي عندما سيطرت قوات البيشمركة الكردية على أسلحة الفيالق الثلاث التي كانت مرابطة على تخوم كردستان، ولم تسلمها للجيش العراقي، بل على العكس بادرت إلى شراء ونقل مختلف انواع الأسلحة من بلدان أوربية مختلفة، فضحتها صحيفة نيويوك تايم.                        .                                                            

 ومن جهة أخرى سعيها لإثارة النعرات القومية والتعصب الأعمى، واعداد الشعب الكردي للدخول في صراع مسلح ضد إخوتهم أبناء الشعب العربي، ومكوناته الأخرى من التركمان والآشوريين والشبك، حول ما يسمى بالمناطق المتنازع عليها، وتكررت لهجة التهديدات المتصاعدة والصادرة عن مسعود البارزاني ورئيس وزرائه نجرفان البارزاني مستغلين الأزمة العراقية الراهنة لتحقيق اقصى المكاسب على الأرض، وفي الوقت نفسه إعداد جيشهم للمعركة الفاصلة إذا لم تتحقق أحلامهم في الاستحواذ على مايسمونه بالمناطق المتنازع عليها!!

 

من حقنا أن نسأل السيد البارزاني السوآل التالي، وندعوه للإجابة عنه بصراحة:

 مَنْ ستحاربون بهذا الجيش الموعود؟

هل ستحاربون به تركيا ؟ أم تحاربون إيران؟

لا شك في أن هذا الأمر مستحيل، ومهما تسلحتم واستعد جيشكم فليس لديكم القدرة على محاربة هذين البلدين.

 

إذا العدو الذي تستعدون لمحاربته هو الشعب العراقي بكل تأكيد، انها فرصتكم في تحقيق طموحاتكم في العراق الجريح، العراق المحتل، العراق الذي تتناحر فيه القوى السياسية الطائفية التي نصبها المحتلون لحكم البلاد في صراعها على السلطة والثروة، فلم تعد هذه القوى تؤمن بالوطنية العراقية، وهي التي شاركتكم في وضع هذا الدستور المسخ لكي تقسموا العراق على هواكم.

 

لكن الشعب العراقي قد افاق من غيبوبته بعد هذه السنوات العجاف التي تلت الغزو الأمريكي للعراق، وبعد كل الويلات والمآسي والدماء والدموع التي شهدها وتجرعها، وقد ادرك كم هو أخطأ عندما صوت لهذه القوى الطائفية والعنصرية في الانتخابات السابقة، وفي الاستفتاء على الدستور الذي جرى تفصيله على مقاسكم، والذي بات اليوم يشكل مشروع حرب أهلية وقومية!

 

لكن الحلم بتمزيق العراق قد بات عسيراً بعد أن وعي الشعب العراقي لما يخطط له، وهو سوف يقف بالمرصاد لأفشال هذه المخططات الشريرة، وإن من يفكر في اشعال نار الحرب الأهلية سيكون أول المحترقين فيها، وإن هذه الحرب سوف لن تكون نزهة، ولن تكون محصورة في نطاق العراق، بل ستمتد لتصبح حرباً أقليمية قومية، وستحل الكارثة بالجميع، وعلى القيادات القومية الكردية أن تكون أكثر حرصاً على مصالح الشعب الكردي، وتتجنب زجه في حرب كارثية لن يجن منها الجميع سوى الدماء والدموع، والخراب والدمار.

ويبادر إلى الذهن السوآل التالي:

 هل من مصلحة الشعب الكردي الانفصال في هذه المرحلة؟ وما تأثير ذلك على مستقبل قضية الشعب الكردي في كل من تركيا وإيران وسوريا؟

 

واستطيع الإجابة بكل ثقة أن الانفصال في هذه المرحلة، وخوض الصراع المسلح مع الشعب العربي في العراق، سيؤديان إلى نتائج خطيرة بالنسبة لمستقبل القضية الكردية في تركيا وإيران وسوريا، وستؤخر إلى أمد بعيد مسألة تحقيق الحقوق القومية للشعب الكردي، ويزعزع ثقة حكام هذه الدول بنوايا الكرد، وتؤدي إلى تدهور العلاقة القائمة حالياً نحو الأسوأ من الصراع المسلح، حيث ستؤدي التجربة العراقية إلى رد فعل شديد من قبل حكام البلدان الثلاث تجاه نوايا الكرد في بلدانهم، ولنا فيما يجري الآن في تركيا من أحداث دامية بين الجيش التركي وحزب العمال الكردستاني خير مثال على ذلك.

 

إن سياسية حرق المراحل لتحقيق طموحات الشعب الكردي لن تجلب الخير له أبداً،  بل على العكس من ذلك يمكن أن تسبب له كارثة حقيقية، وإن حصول الشعب الكردي في البلدان الثلاث المجاورة سيتوقف على سلوك القيادة الكردية في العراق تجاه الدولة العراقية، وبقدر ما تعزز القيادة الكردية في العراق علاقات الأخوة بين الشعبين، واعادة الروابط التاريخية والكفاح المشترك من أجل تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بقدر ما تتفهم حكومات الدول المجاورة لحقوق وحريات الشعب الكردي في بلدانها اسوة بالعراق الذي نال حقوقه وحريته على اوسع نطاق، وتستفيد من التجربة العراقية في حل المشكلة الكردية في بلدانها لتبلغ ما بلغه الشعب الكردي في العراق من حقوق قومية، وهذا ما طرحته في كتابي الموسوم [ لمحات من تاريخ حركة التحرر الكردية في العراق ] في الفصل الأخير تحت عنوان {الشعب الكردي وحق تقرير المصير وآفاق المستقبل}.

 

أما مسألة اقامة الدولة الكردية بنطاقها الواسع فتلك مسألة تتطلب وقتاً ليس بالقصير عندما تقام انظمة ديمقراطية متطورة في هذه البلدان تمكنها من حل القضية الكردية حلاً جذرياً باسلوب سلمي ديمقراطي، بعيداً عن اساليب الفرض بالقوة والحروب والعنف التي لن تجلب الخير لأحد.

 

ولآمد طويل سيبقى العراق خيمة للشعب الكردي يعيش جنباً إلى جنب مع إخوته العرب والتركمان والاشوريين، وسائر المكونات الشعب الأخرى، فلا تدعوا مجالاً للتعصب والكراهية، ولنعمل جميعاً جاهدين على إعادة اللحمة بين سائر مكونات الشعب العراقي، ولنمد أيدينا إلى بعضها، ونصفي القلوب من الضغائن، فهذا هو الطريق، ولا طريقاً غيره لخير وسعادة كافة ابناء الشعب العراقي بكل أطيافه تغمرهم المحبة، ويسود التآخي بين الشعوب جميعاً دون تمييز.  

 

 

 

 

 

 

    

       
اقرأ المزيد من التفاصيل »»»

مسؤولية المجتمع الدولي في التصدي للإرهاب
حامد الحمداني                                                           19/11/2015
 
الإرهاب داء خطير يمكن أن  ينتشر كالنار في الهشيم في مختلف بقاع العالم إذا لم تتخذ الإجراءات الكفيلة في مجابهته واستئصاله من جذوره، ويخطئ من يظن أن التصدي له يقع على عاتق الدولة التي تتعرض للإرهاب وحدها، وتخطئ أيضاً الحكومات التي تعتقد أنها يمكن أن تكون بمنأى عن اكتواء بلدانها بنير الإرهاب والإرهابيين.
 
كما تخطئ الدول التي تقدم الدعم اللوجستي والمادي والسلاح للعناصر الإرهابية بأنها ستكون بمنأى عن سطوة الإرهاب  ولا تكتوي بنيرانه، فقد بات الإرهاب داء يبعث بنيرانه شرقاً وغرباً، وبات الإرهابيون يشكلون المنظمات الإرهابية التي تستفيد من تطور وسائل الاتصالات، والحصول على المعلومات التكنولوجية اللازمة لصنع المتفجرات، وتبادل المعلومات عن طريق الإنترنيت، وها هي عصابات داعش الإرهابية، والقاعدة، والنصرة، وغيرها من العديد من المنظمات الإرهابية الأخرى التي تمتلك خلايا نائمة في مختلف بلدان العالم تتحرك لتنفيذ جرائمها كلما طلبت منها قيادة تنظيماتهم ذلك.
 
لقد جرى تنفيذ جرائمهم الوحشية البشعة في روسيا وفرنسا واسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة وأندونيسا وباكستان والفلبين العراق سوريا ولبنان وليبيا واليمن والجزائر ومصر وكينيا والعديد من الدول الأخرى، وهي ماضية في توسيع نشاطاتها الإرهابية وتطويرها كماً ونوعاً مما يتطلب معالجة عاجلة لهذا الداء الخطير الذي بات يهدد السلم والاستقرار في العالم أجمع.
 
وعليه فقد بات على المجتمع الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن تحمل المسؤولية المباشرة والكاملة للتصدي للإرهاب والإرهابيين واستئصال شأفتهم، وإن أي تهاون في هذا الموضوع يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة على مستوى العالم، وما يجري في العالم العربي اليوم من جرائم إرهابية بشعة هو النموذج لما يمكن أن يجري في بلدان أخرى .
 
إن معالجة هذا الداء الوبيل يتطلب العمل على جانبين:
الجانب الأول: يتطلب معالجة الظروف والمشاكل الاجتماعية والمصاعب الاقتصادية في بلدان العالم الثالث حيث الجوع والفقر والأمراض التي تفتك بالمجتمع تجعل من تلك البلدان البيئة الصالحة لتنامي الإرهاب وضم العناصر الجديدة للمنظمات الإرهابية باستمرار، وهذا الأمر يتطلب أن تدرك الدول الغنية مسؤوليتها في معالجة مشكلة الفقر والبطالة والأمراض وتخصص الأموال اللازمة للنهوض بالمستوى المعيشي لشعوب هذه البلدان بما يليق بالإنسان، وبذلك نستطيع حرمان المنظمات الإرهابية من كسب المزيد والمزيد من العناصر التي تملكها اليأس من تحسين أحوالها المعيشية، وبالتالي تجفيف المصادر البشرية لهذه المنظمات الإرهابية.
الجانب الثاني: يتطلب إصدار الأمم المتحدة  قانون جديد يضاف  للقانون الدولي يحدد الإجراءات والأساليب التي تترتب على كافة أعضاء المنظمة الدولية للتصدي للمنظمات الإرهابية وملاحقتها وشل نشاطها، وإنشاء قسم تابع لمجلس الأمن يتولى متابعة وملاحقة النشاطات الإرهابية بالتعاون مع كافة الدول المنضوية للمنظمة الدولية، وهذا يتطلب اتخاذ الإجراءات التالية، وإلزام كافة دول العالم بالتنفيذ الدقيق والصارم لها لاستئصال شأفة الإرهاب من جذوره وذلك من خلال الإجراءات التالية:
 
1 ـ إصدار القوانين التي تحرّم وجود المنظمات الإرهابية على أراضيها، وتحديد العقوبات القصوى بحق من يثبت قيامه بأي نشاط إرهابي سواء كان ذلك من خلال تنفيذ النشاطات الإرهابية أو إنشاء المدارس الدينية التي تحض على الإرهاب باسم مخالفة الشريعة،أو التشجيع على الإرهاب عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية .
 
2 ـ العمل على إعادة النظر الجذرية في المناهج الدراسية بدء من رياض الأطفال وحتى الجامعة بما يتفق مع التوجهات الديمقراطية، واستئصال الأفكار العنصرية والشوفينية والظلامية، ومنع استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية، وفصل الدين عن الدولة، ورفض الأنظمة الشمولية تحت ستار الدين أو القومية أو العنصرية، ومراقبة النشاطات التي تجري في الجوامع، وخطب الأئمة التي تحرض على الإرهاب باسم المقاومة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يحض على الإرهاب ويبث الأفكار التي تحض على الكراهية، والحيلولة دون تحويل الجوامع إلى مدارس لتخريج الإرهابيين.
 
3 ـ مراقبة الحكومات كافة لحركة الأموال المستخدمة من قبل المنظمات الإرهابية، ومراقبة البنوك والشركات التي تتولى نقل وتوزيع وغسل الأموال العائدة للمنظمات الإرهابية، ومراقبة التبرعات التي تصل للمنظمات الإرهابية من العناصر الداعمة للإرهاب،  وإنزال العقاب الصارم بكل من يتولى نقل وتوزيع الأموال وتهريبها والتبرع بها .
 
4 ـ إلزام كافة الدول بتقديم ما لديها من معلومات عن نشاطات المنظمات الإرهابية إلى اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة بمتابعة النشاطات الإرهابية في مختلف بلدان العالم، وتبادل المعلومات بين سائر الدول بما يحقق متابعة وملاحقة المنظمات الإرهابية، ومنعها من ممارسة نشاطها الإرهابي على أراضيها أو إيواء الإرهابيين، أو التستر على نشاطاتهم أو تقديم الدعم اللوجستي والأسلحة والمعدات والأموال والخبرات العسكرية والتدريب على أراضيه . 
 
5 ـ اعتبار كل دولة تسمح للمنظمات الإرهابية التواجد على أراضيها، أو ثبوت تقديمها الدعم المادي أو اللوجستي لها دول داعمة للإرهاب، واتخاذ الأمم المتحدة قراراً بوقف عضوية تلك الدولة في المنظمة العالمية، وفرض العقوبات الاقتصادية والسياسية عليها حتى تتأكد الأمم المتحدة  من توقف تلك الدولة عن دعم المنظمات الإرهابية.
 
6 ـ إذا لم تتوقف الدول الداعمة للإرهاب عن دعم النشاطات الإرهابية فوق أراضيها، أو تحض على أو تدعم النشاطات الإرهابية على أراضي الدول المجاورة لها فلمجلس الأمن أن يجتمع ويتخذ قراراً باستخدام القوة ضد تلك الدولة التي ترفض الالتزام بمحاربة الإرهاب وتستمر في دعمه أو تشجيعه، مع مراعات عدم الإضرار بشعوب  تلك الدول بأي شكل كان.
 
7 ـ عدم قبول الدول لجوء العناصر الإرهابية إليها، أو التستر على وجودهم، والتدقيق في شخصية كل لاجئ، والتأكد من عدم ارتباطه بأية منظمة إرهابية، وتسليم العناصر الإرهابية التي تدخل أراضيها إلى دولهم لتتم محاكمتهم، وإنزال العقوبة التي يستحقونها بهم .
 
8 ـ مراقبة ومنع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة من تقديم أي نوع من الدعم للمنظمات الإرهابية، وعلى وجه الخصوص الانترنيت وسائر مواقع التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتوتر وغيرها من المواقع الأخرى، وإحالة المسؤولين المخالفين للمحاكم، ومراقبة مواقع الإنترنيت ووقف كافة المواقع التي تشجع الإرهاب، وتنقل أخبار الإرهابيين، أو تمجد أفعالهم الإجرامية، وإحالة مسؤوليها إلى المحاكم لينالوا جزائهم العادل.
 
إن تكاتف جهود كافة الدول وحكوماتها في التصدي للمنظمات الإرهابية، وتحت راية منظمة الأمم المتحدة، وتقديم الدعم والمساعدة للدول والحكومات التي تتصدى للإرهاب، وتبادل المعلومات، بالإضافة لمعالجة مشكلة الفقر والبطالة في البلدان الفقيرة، والنهوض بالمستوى المعيشي لهذه الشعوب كفيل بالقضاء على المنظمات الإرهابية وتخليص العالم من شرورها الرهيبة.
 
لقد باتت مسألة التصدي لهذا الشر الوبيل مسألة دولية لا يمكن لأي دولة أن تعفي نفسها من مسؤولية المشاركة الفعالة في مكافحة الإرهاب والإرهابيين، وعلى الدول الغنية أن تتحمل مسؤوليتها في معالجة مسألة الفقر والبطالة وتفشي الأمراض في الدول الفقيرة، فلا يمكن القضاء على المنظمات الإرهابية إذا لم نعمل على تجفيف مصادرها المادية والبشرية. 
 
 
 
 

اقرأ المزيد من التفاصيل »»»




 

التاسع من ايار 1945 يوم خالد في تاريخ البشرية

انتهاء الحرب العالمية الثانية باندحار

النازية والفاشية

حامد الحمداني                                                               8/5/2016

 

كان اندحار ألمانيا في الحرب العالمية الأولى عام 1918، وتجريدها من كل نفوذ لها في العالم، بموجب معاهدة [ فرساي] الموقعة بين الحلفاء وألمانيا في نهاية الحرب، وسيطرة بريطانيا وفرنسا على الأسواق العالمية، سبباً رئيسياً لمحاولة الرأسماليين الألمان إعادة تقسيم النفوذ والأسواق العالمية من جديد، وتحطيم تلك المعاهدة.

 

ومن أجل تحقيق هذا الهدف لجأ الرأسماليون الألمان إلى سحق الديمقراطية، والإتيان بحكومة فاشية، وعلى رأسها زعيم الحزب النازي [ أدولف هتلر] العريف السابق في الجيش الألماني، والمعروف بعدائه الشديد للديمقراطية.

 

كان في مقدمة أهداف حكومة هتلر تصفية جميع الأحزاب السياسية في البلاد بدءاً بالحزب الشيوعي، وانتهاءً ببقية الأحزاب الأخرى، ومن أجل تحقيق هذا الهدف أوعز إلى رجاله بحرق [الريشستاخ] أي البرلمان، واتهم الشيوعيين الذين كانوا يمثلون قوة رئيسية في البرلمان، وعلى الساحة السياسية الألمانية  بحرقه، لكي يجد الذريعة لتوجيه الضربة القاضية للحزب الشيوعي مستخدماً أبشع الأساليب النازية وحشية.

 

 ثم التفت هتلر إلى الأحزاب الأخرى، وفي المقدمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، تلك الأحزاب التي  ضنت أنها في منأى من بطش هتلر، ورفضت التعاون مع الحزب الشيوعي في الانتخابات العامة، ومهدت الطريق بموقفها ذاك لصعود الحزب النازي إلى السلطة، وأنزل بها هتلر ضرباته ومزقها، تماماً كما فعل بالشيوعيين وبذلك تسنى لهتلر تصفية أي معارضة لسلطته، وأصبح طليق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد، بل والعالم أجمع.

 

كانت الخطوة التالية لهتلر هي [ التسلح ]، حيث أقدم على تمزيق معاهدة [فرساي] وضربها عرض الحائط، وسخر كل إمكانيات البلاد الاقتصادية والصناعية للتسلح، وإنشاء جيش ضخم وقوي لكي يستطيع بواسطته فرض تقسيم جديد للعالم، ومناطق النفوذ لألمانيا من جديد، ورغم تحذير الاتحاد السوفيتي للغرب من مغبة السماح لهتلر بتهديد السلام في العالم، وضرورة إيقافه عند حده، إلا أن الحكام الغربيين لم يعيروا أي اهتمام إلى تلك التحذيرات.

بدأ هتلر منذ عام 1938 ينفذ خططه للتوسع، حيث أقدم على احتلال [النمسا] و[جيكوسلفاكيا] وأعلن ضمهما إلى المانيا دون أن يلقى أي ردع من جانب الدول الغربية.

 

وهكذا أخذت شهية هتلر تتصاعد لضم المزيد من الأراضي، فطالب بضم مقاطعة [ دانزج ]البولندية إلى المانيا مدعياً أنها مقاطعة ألمانية، ولما لم ترضخ حكومة بولندا إلى ضغوطه أقدم هتلر على مهاجمة بولندا عام 1939 دافعاً بقوات كبيرة برية وجوية واستطاع ابتلاعها خلال أسبوع، منزلا فيها دمارا هائلا ومئات الالوف من الضحايا حتى أن سكان العاصمة وارشو البالغة نفوسهم قبل الحرب مليون ونصف لم يبقَ منهم سوى 300 الف، وهذا ما حدثنا عنه البولونيون انفسهم عند حضورنا مهرجان الشبية الخامس عام 1955، واضافوا قائلين أن كل عائلة مكونة من خمسة اشخاص فقدت على الاقل ثلاثة.

 عند ذلك أدرك حكام بريطانيا وفرنسا أن أطماع هتلر لن تقف عند حد، وأن الخطر الألماني سوف يصل إليهما عاجلاً أم عاجلاً، فسارعا إلى إعلان الحرب على المانيا في 3 أيلول 1939، وبذلك اشتعل لهيب الحرب ليشمل أوربا بأسرها ثم توسعت بدخول إيطاليا الحرب إلى جانب ألمانيا، وإقدام اليابان على قصف ميناء [ بيرل هاربر] الأمريكي، ودخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء، وبذلك امتدت الحرب لتشمل العالم أجمع، واستمرت تطحن بالشعوب خمسة اعوام شديدة القسوة، ودفعت البشرية ثمنا باهضا لم تشهده من قبل حيث قدر عدد القتلى خلالها ما يقارب 55 مليون انسان وشكّلَ الدمار الهائل معظم الدول المشاركة في تلك الحرب المجنونة، وعم الفقر والجوع انحاء العالم، ولم ينجُ من نار الحرب سوى تركيا وسويسرا والسويد، حيث بقيت هذه الدول على الحياد.

 

انتهاء الحرب العالمية باندحار دول المحور:

في بداية عام 1945، كانت الحرب العالمية الثانية قد أوشكت على نهايتها، وتقرر مصيرها باندحار دول المحور، وانتصار الحلفاء، وتحملت القوات السوفيتية العبء الأعظم من تلك الحرب التي دفع فيها الشعب السوفيتي أكثر من 22 مليون ضحية، وتم تدمير معظم مدن الاتحاد السوفيتي.

 

وفي الوقت الذي كانت القوات السوفيتية تخوض غمار اعظم معركة في التاريخ[ معركة ستالينكراد] طلب الاتحاد السوفيتي من الولايات المتحدة وبريطانيا فتح الجبهة الغربية ضد القوات الالمانية لتخفيف الضغط على الجبهة الشرقية، لكن الولايات المتحدة وبريطانيا تماهلا في فتحها انتظارا لما ستئول اليه معركة ستالينكراد التي استطاع الجيش السوفيتي احراز النصر الباهر فيها، ودحر الجيوش الالمانية الجرارة واستسلام اكثر من 200000 عسكري الماني، وعلى رأسهم قائد تلك الفيالق الجنرال[ فون باول ]، وبدات القوات السوفيتية زحفها نحو الغرب باتجاه المانيا النازية، وعند ذلك سارع الغربيون إلى انزال قواتهم في نورمانيا بفرنسا بغية اللحاق للوصول إلى المانيا ومقابلة القوات السوفيتية . 

 

 بدأت القوات السوفيتية تزحف نحو برلين من جهة الشرق، فيما بدأت القوات الأمريكية والبريطانية وقوات الجنرال [ديكول ] تزحف من جهة الغرب، وأخذت القوات الألمانية تتراجع أمام ضربات القوات السوفيتية والأمريكية والبريطانية، فيما كانت القوات الإيطالية قد انهارت أمام زحف قوات الحلفاء، وتلاشت مقاومتها تماماً .

 

 وفي الأول من أيار عام 1945 أطبقت القوات السوفيتية على برلين واحتلتها وفي الوقت نفسه كانت  القوات الأمريكية والبريطانية قد توغلت في غرب البلاد، وانهارت المقاومة الألمانية، وانتحر دكتاتور ألمانيا [هتلر]، وأعلن الأميرال الألماني [دونتز] استسلام  ألمانيا دون قيد أو شرط للحلفاء، وبذلك انتهت الحرب في أوربا، واحتفل الحلفاء بنصرهم على المانيا وإيطاليا.

 

أما الحرب في الشرق الأقصى فقد استمرت بضعة أشهر أخرى، حيث بقي اليابانيون يقاومون، لكن الحرب كان مصيرها قد تقرر، وكانت اليابان على وشك أن تعلن استسلامها عندما فاجأت الولايات المتحدة العالم في 6 آب 1945 بإلقاء أول قنبلة ذرية على مدينة [هيرو شيما] اليابانية، فكانت مجزرة رهيبة ذهب ضحيتها أكثر من 180 ألفاً من المواطنين اليابانيين الأبرياء في الحال دون أي مبرر.

 

 وبعد أسبوع أتبعتها بقنبلة ثانية ألقتها على مدينة [ناكازاكي ] فكانت كارثة كبرى ثانية أدت بأرواح عشرات الألوف من السكان الأبرياء، وتحولت المدينتين إلى أكوام من الحجارة الممزوجة بالدم والأشلاء، وفي الحال أعلنت اليابان استسلامها دون قيد أو شرط، وبذلك انتهت فصول تلك الحرب الإجرامية المفزعة التي أشعلها هتلر، والتي ذهب ضحيتها أكثر من 55 مليون إنسان، ناهيك عن تدمير المدن، والبنية التحتية للاقتصاد العالمي، وما سببته تلك الحرب من ويلات وماسي وجوع وخراب ودمار.

 ولابد أن أشير هنا إلى أن إلقاء القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين  كانت جريمة كبرى اقترفتها الولايات المتحدة بحق الإنسانية لم يكن لها ما يبررها سوى رغبتها  في  أن ترعب بلدان العالم الأخرى، وبوجه خاص الاتحاد السوفيتي بهذا السلاح الفتاك، وتتباهى بأنها أقوى بلد في العالم أجمع، وقد دفع تصرفها هذا إلى أن يسعى الاتحاد السوفيتي إلى امتلاك هذا السلاح الخطير لكي يعيد توازن القوى بين المعسكرين الشرقي والغربي، حيث توصل إلى أسرار هذا السلاح الرهيب وبدأ بإنتاجه وتكديسه، ثم تبع ذلك توصل كل من بريطانيا وفرنسا والصين وإسرائيل والهند وباكستان إلى إنتاج هذا السلاح الفتاك.

لم تكد تنتهِ الحزب العالمية الثانية حتى بدأت ظواهر حرب من نوع جديد بين الاتحاد السوفيتي والغرب دعيت بالحرب الباردة، وفي ظل هذه الحرب التي نشأت بين المعسكرين استمر سباق التسلح، وإنتاج المزيد من تلك الأسلحة، ووسائل نقلها إلى أية بقعة في العالم، وتطويرها بحيث أصبح الطرفان يملكان ترسانة نووية قادرة على إفناء البشرية، وتدمير كوكبنا الأرضي عشرات المرات، وأصبحت هذه الأسلحة عبئاً ثقيلاً، وخطراً مميتاً يهدد البشرية في كل وقت وحين، بل ولقد بدأت العديد من الدول تحاول الحصول على تكنلوجيا هذه الأسلحة وغيرها من أسلحة الدمار الشامل مما يعرض مستقبل البشرية لمخاطر كبيرة .

 

مؤتمر سان فرنسيسكو، تأسيس هيئة الأمم المتحدة:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وجهت الولايات المتحدة، نيابة عن الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والصين الدعوة إلى 49 دولة لحضور مؤتمر يعقد في مدينة [ سان فرنسيسكو] للبحث في إنشاء هيئة دولية جديدة، على أنقاض [عصبة الأمم] التي انهارت بقيام الحرب العالمية الثانية، وتحدد عقد المؤتمر في 26 حزيران 1945، الذي حضرته وفود تلك الدول، وكان العراق من بينها، حيث مثله وفد عالي المستوى برئاسة وزير الخارجية [أرشد العمري]، وضم في عضويته كل من نوري السعيد، وتوفيق السويدي، وعلي جودت الأيوبي ونصرت الفارسي، وفاضل الجمالي. وقبل بدء المؤتمر توفي الرئيس الأمريكي [ فرانكلين روزفلت ]، وتولى المنصب بعده نائبه [هاري ترومان ] .

 

 جرى افتتاح المؤتمر في 26 حزيران 1945، وبدأت المداولات لوضع ميثاق جديد ينظم العلاقات بين دول العالم، دعي فيما بعد [ ميثاق الأمم المتحدة ] وتضمن الميثاق تشكيل [هيئة الامم المحتدة] و[مجلس للأمن الدولي]، كما جرى البحث في مسودة محكمة العدل الدولية، لحل الخلافات بين الدول.

 

لم يكن للدول التي دُعيت للمؤتمر، ما عدا الدول الخمس الكبرى، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا والصين، دور هام في وضع الميثاق، وطريقة تشكيل مجلس الأمن، فلم يكن سوى ميثاق الدول المنتصرة في الحرب، حيث منحت تلك الدول نفسها صلاحيات واسعة للهيمنة على العالم، فقد تقرر أن يكون عدد أعضاء المجلس 15 عضواً، خمسة منهم أعضاء دائمين، وهم الدول الكبرى المذكورة ، و8 أعضاء ينتخبون كممثلين للمناطق الإقليمية كل سنتين.

 

لكن الأخطر في الأمر أن الأعضاء الدائميين قد منحوا أنفسهم صلاحية النقض لأي قرار لا توافق عليه حكومة أي منهم، وأصبح مجلس الأمن الهيئة القيادية في الأمم المتحدة وقراراتها إلزامية، في حين أصبحت قرارات الهئية العامة، وهي الممثل الحقيقي لشعوب ودول العالم غير ملزمة التنفيذ، وبذلك أصبحت مقدرات الشعوب بيد الخمسة الكبار، مما سبب خيبة أمل كبيرة لشعوب وحكومات الدول الأخرى حتى أن رئيس الوفد العراقي [ أرشد العمري ] رفض توقيع الميثاق، وعاد إلى بغداد، وقد قامت الحكومة العراقية بتكليف نوري السعيد بالتوقيع عليه.

 

ملاحظة : بعد غد [ العراق والحرب العالمية الثانية]




اقرأ المزيد من التفاصيل »»»

ترجم الموقع

English French German Spain Italian Dutch Russian Portuguese Japanese Korean

ألباحث حامد الحمداني

تجد هنا أرشيف موقع حامد الحمداني

آخرالمواضيــع

مواقع مختارة

حقيبة الكـتب